عمان – أكد رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة شكّل موقفًا أردنيًا واضحًا وصريحًا تجاه ما تشهده المنطقة، ووصفه بأنه "وثيقة تاريخية يجب أن تُدرّس"، لما حمله من رسائل إلى المجتمع الدولي بشأن القضية الفلسطينية والانتهاكات الإسرائيلية، وضرورة احترام القانون والمواثيق الدولية.
وقال الفايز، خلال استضافته مساء الأحد في برنامج "العاشرة" على قناة المملكة، إن جلالة الملك يتمتع بحضور واحترام دوليين كبيرين، وإن مواقفه تجاه القضية الفلسطينية ثابتة وممتدة عبر مختلف المنابر الدولية، مستذكرًا خطاب جلالته أمام الكونغرس الأميركي عام 2007، وخطاباته أمام البرلمان الأوروبي وفي المحافل الإقليمية والدولية، وسعيه الدائم إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وأشار إلى أن خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه إسرائيل وعدم التزامها بالمواثيق والاتفاقيات الدولية، وما ترتكبه من انتهاكات في قطاع غزة والضفة الغربية، مبينًا أن مجلس الأعيان بصدد توجيه رسائل إلى رؤساء برلمانات العالم، تتناول مضامين الخطاب الملكي وتدعو إلى اتخاذ إجراءات وعقوبات اقتصادية بحق إسرائيل للضغط عليها لوقف انتهاكاتها.
وأضاف الفايز أن تحركات مجلس الأعيان واتصالاته البرلمانية ستشمل مختلف الدول، مشيرًا إلى أهمية ألا تقتصر الضغوط على دولة الاحتلال ، من خلال الدول الغربية والاتحاد الأوروبي، بل يجب أن تمتد إلى دول الشرق التي تربطها علاقات تجارية واقتصادية كبيرة مع إسرائيل، ومن بينها الصين واليابان وكوريا الجنوبية، مؤكدًا ضرورة ترجمة المواقف المؤيدة لحل الدولتين إلى إجراءات عملية.
ولفت إلى أن جلالة الملك أكد أن القضية لا تقتصر على المستوطنين، وأن إسرائيل، رغم تقديم نفسها كدولة ديمقراطية، لا تلتزم بمقتضيات الديمقراطية وحقوق الفلسطينيين، مستذكرًا موقف جلالته من رفض الحكومة الإسرائيلية حل الدولتين، وتأكيده أنه في حال رفض هذا الحل، فإن خيار الدولة الواحدة يستوجب منح الفلسطينيين حقوقهم السياسية المشروعة.
وفي الشأن الداخلي، شدد الفايز على ضرورة تمتين الجبهة الداخلية والحفاظ على الوحدة الوطنية والتصدي لكل محاولات بث الفتنة وزعزعة الثقة بين المواطن والدولة، مؤكدًا أن الوحدة الوطنية تمثل صمام أمان للأردن، إلى جانب العرش الهاشمي، وأن المرحلة تتطلب التواصل المباشر مع المواطنين ورفع الوعي بحجم التحديات التي تواجه المملكة.
وأضاف الفايز " أن كل من يسعى إلى ضرب الوحدة الوطنية "لا يريد الخير لهذا الوطن"، مستذكرا مقولة جلالة الملك الحسين بن طلال، بأن "كل من يتعرض للوحدة الوطنية هو عدوي إلى يوم القيامة"، ومشيرا إلى أن جلالة الملك عبدالله الثاني ردد الموقف ذاته " ، وقال أن المرحلة المقبلة تتطلب العمل على حماية الوحدة الوطنية وتعزيزها، والتصدي لكل ما من شأنه المساس بها أو زعزعة استقرار الأردن.
وحول الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، قال الفايز إن التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، وخصوصًا في منطقة حوض اليرموك، تمس الأمن الوطني الأردني، ولا سيما الأمن المائي، في ظل أهمية منابع نهري الأردن واليرموك، مؤكدًا أن السيطرة على منابع المياه تشكل اعتداءً على الأمن المائي الأردني، الذي يُعد جزءًا من الأمن الوطني.
وأكد وقوف الأردن إلى جانب سوريا ودعم جلالة الملك للدولة السورية وقيادتها، مشيرًا إلى التواصل المستمر بين جلالته والرئيس السوري أحمد الشرع، وإلى أن أمن سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها جزء من الأمن الوطني الأردني، وأن المطلوب هو تمكين الدولة السورية من بسط سيادتها على كامل أراضيها وبناء جيش وقوات أمنية قوية، في مواجهة محاولات إثارة الفتن والانقسامات الداخلية.
وبين الفايز أن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وقبله جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، اختار على الدوام طريق السلام والدبلوماسية، إلا أن السياسات الإسرائيلية رفضت مبادرات السلام، بما فيها مبادرة السلام العربية لعام 2002، مؤكدًا أن الأردن يمارس الدبلوماسية من موقع قوة، ويتمسك بحقوقه ومصالحه الوطنية، مستندًا إلى تاريخ مشرف للقوات المسلحة الأردنية والشعب الأردني في الدفاع عن الوطن والقضايا العربية.
وأشار إلى أن ثوابت الدولة الأردنية تقوم على العرش الهاشمي ومؤسسات الدولة المدنية بسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى اللحمة الراسخة بين الشعب والقيادة الهاشمية، مؤكدًا أن قوة الأردن تستند إلى قيادته وجيشه وأجهزته الأمنية وشعبه، وقدرته على تجاوز التحديات التي أحاطت به على امتداد تاريخ الدولة، مستذكرا معارك القدس واللطرون وباب الواد، ومعركة الكرامة التي "كسرت الكبرياء الصهيوني ، مبينا أن الأردن "لن يرضخ" ولن يتنازل عن ثوابته الوطنية ومصالحه العليا ، أو يخرج عن مبادئه، مشددا على أن الشعب الأردني يظهر معدنه الحقيقي في أوقات الشدة.
وفيما يتعلق بالقدس، أكد الفايز أن الحديث عنها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، محذرًا من خطورة المخططات الاستيطانية الإسرائيلية، ولا سيما مخطط "E1"، الذي يستهدف تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، مشددًا على أن الخطر الأكبر يتمثل في محاولات التهجير، التي أكد جلالة الملك أنها خط أحمر بالنسبة للأردن.
وأوضح أن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس تمتد تاريخيًا منذ الشريف الحسين بن علي، الذي أسهم من ماله الخاص في إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة، واستمرت عبر مراحل الإعمار الهاشمي في عهد الملك المؤسس عبدالله الأول وجلالة الملك الحسين بن طلال، وصولًا إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي واصل رعاية المقدسات، ومن ذلك إعادة بناء منبر صلاح الدين الأيوبي.
وشدد الفايز على رفض الأردن القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو الاعتداء على أراضي المملكة، مؤكدًا أن أي تهديد للأردن هو تهديد للأمن القومي العربي، ما يستوجب موقفًا عربيًا موحدًا لمواجهة التحديات الراهنة وحماية المصالح العربية.
ودعا إلى بلورة استراتيجية عربية شاملة للأمن القومي العربي، سياسيًا واقتصاديًا، وإعادة تفعيل وتحديث اتفاقية الدفاع العربي المشترك، محذرًا من مخاطر استمرار التوسع والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، ومؤكدًا امتلاك الدول العربية من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لبناء قوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها ومواجهة الفقر والبطالة وتحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي.
وحول العلاقة مع إيران، أكد الفايز أن الأردن يعتمد الدبلوماسية والحوار القائمين على العقلانية والحكمة، لكنه يرفض في الوقت ذاته أي اعتداء أو تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية أو تهديد للأمن الوطني الأردني، مشيرًا إلى أن الرسالة الأردنية واضحة في الانفتاح على الحوار مع إيران ، شريطة احترام سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها.
وفي الشأن السوري، أعرب الفايز عن أمله في أن تستعيد سوريا سيادتها على كامل أراضيها، وأن تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة مدنية تستوعب مكونات المجتمع السوري كافة، مؤكدًا عمق الروابط التاريخية والاجتماعية والعشائرية بين الشعبين الأردني والسوري، وأن استقرار سوريا ووحدتها يصبان في مصلحة الأردن والمنطقة.
واختتم الفايز حديثه بالتأكيد على أهمية أن يقف الأردنيون صفًا واحدًا في مواجهة أي مخططات تستهدف أمن المملكة واستقرارها، مشددًا على أن الاستقرار يشكل أساس التنمية والنمو الاقتصادي، ومعربًا عن ثقته بأصالة الشعب الأردني والتفافه حول وطنه وقيادته في مواجهة مختلف التحديات.