مادبا 26 أيلول (مجلس الأعيان) – تحت رعاية العين الدكتور أمجد الجميعان، أقامت جمعية الشابات المسيحية في مادبا، بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين – فرع مادبا، اليوم السبت، ندوة أدبية بعنوان «حجارة مادبا شاهد على ولادة المسرح الأردني»، بحضور العين محمد الأزايدة، وعدد من أبناء المجتمع المحلي، ومشاركة نخبة من المختصين والمهتمين بالشأن الثقافي والمسرحي.
وتحدث في الندوة الأستاذة في قسم الفنون المسرحية بالجامعة الأردنية الدكتورة جويس الراعي، والكاتب والمخرج المسرحي الدكتور علي الشوابكة، فيما أدارت الجلسة الروائية نوال القصار.
وأكد العين الدكتور أمجد الجميعان، أن رسالة العيش المشترك وصون التنوع الديني والثقافي وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، أكدها جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجددًا التأكيد على حماية الوجود المسيحي وإرثه في أرضه التاريخية، وعلى مسؤولية الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، امتدادًا للوصاية الهاشمية ورسالتها التاريخية.
وأضاف أن حماية المسجد والكنيسة، وصون الحضور الإسلامي والمسيحي، ليست ملفات منفصلة؛ إنها حماية لذاكرة هذه المنطقة وهويتها وتنوعها، وتأكيد أن العيش المشترك ليس شعارًا نرفعه، بل تاريخًا نعيشه ونورثه لأبنائنا.
وأشار الجميعان إلى أن مادبا من أجمل الأماكن التي يمكن أن تُقال فيها هذه الرسالة، فهنا تعانقت الحجارة والفسيفساء، وتجاورت الكنائس والمساجد، وعاش المسلم والمسيحي في نسيج اجتماعي واحد.
وقال إن البدايات الأولى للحركة المسرحية الأردنية تقودنا الذاكرة إلى مادبا في العقود الأولى من القرن العشرين، وتشير المصادر إلى نشاط مسرحي مبكر في المدينة، ومن هذه البيئة نفسها خرجت قبل أكثر من قرن إرهاصات المسرح الأردني.
وفي هذا السياق، أشار جميعان إلى أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل تلك البدايات، ومن بينها الأب أنطون الحيحي، والأب زكريا الشوملي، والأب يوحنا نويفيل، ثم أحد أبرز أبناء مادبا ورواد الثقافة الأردنية، العلامة روكس بن زائد العزيزي، الذي جمع بين الأدب والتاريخ والتعليم والمسرح، وكتب وأخرج أعمالًا مسرحية في مرحلة مبكرة من تاريخنا الثقافي.
وأضاف أن هذا يجعلنا أمام حقيقة مهمة: أن المسرح في مادبا لم يولد ترفًا، بل ولد من رحم التعليم والثقافة والمجتمع، ومن إيمان مبكر بأن بناء الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى الكلمة والفن والخيال والحوار.
ولفت الجميعان إلى أن أجمل ما في عنوان الندوة أن الحجارة في مادبا ليست صامتة؛ فللحجر هنا ذاكرة، وللفسيفساء حكاية، وللمكان صوت، وكما حفظت حجارة مادبا تاريخ حضارات تعاقبت على هذه الأرض، فقد حفظت أيضًا صفحات مبكرة ومضيئة من تاريخ الثقافة والمسرح في الأردن.
وأضاف أن الفسيفساء هي أجمل صورة تختصر مادبا والمسرح والأردن معًا، فالفسيفساء لا تستمد جمالها من حجر واحد أو لون واحد، وإنما من اختلاف قطعها وتجاورها وانسجامها لتصنع لوحة واحدة، وكذلك الأردن؛ تنوعه لم يكن يومًا سببًا للفرقة، بل مصدرًا للغنى والقوة، ووحدة أبنائه، مسلمين ومسيحيين، جزء أصيل من هويته الوطنية.
وأكد أهمية الندوة، وكل جهد يوثق الذاكرة الثقافية الأردنية وينقلها إلى الأجيال الجديدة، فالأوطان لا تحفظ تاريخها بالحجارة وحدها، وإنما بمن يقرأ هذه الحجارة، ويفهم رسالتها، ويحملها إلى المستقبل.
وقال: «وإذا كانت حجارة مادبا قد شهدت قبل أكثر من قرن صفحات مبكرة من ولادة المسرح الأردني، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نجعلها لا تروي ما كان فقط، بل تلهم ما سيكون».
وختم بالقول: «ولتظل مادبا، حين تتكلم حجارتها، نسمع في صوتها حكاية الأردن؛ حكاية وطنٍ يصون ذاكرته، ويعتز بتنوعه، ويصنع بثقافته مستقبله».
وتناولت الندوة عددًا من المحاور المتعلقة بتاريخ الحركة المسرحية في مادبا، وأهمية الحضور الثقافي والمسرحي للمدينة، ودورها في مسيرة المسرح الأردني، إلى جانب استعراض محطات وشواهد تاريخية أسهمت في تشكيل المشهد المسرحي والثقافي في الأردن.
وأكد المشاركون أهمية توثيق التجارب الثقافية والمسرحية المحلية، وإبراز إسهامات المدن والمحافظات الأردنية في إثراء الحركة الثقافية والفنية الوطنية، بما يحفظ الذاكرة الثقافية للأجيال المقبلة.